كتاب الأنساب للصحاري، هو مجمع للأساطير والخرافات التي ألفها قصَّاص اليمن.
والذي يهمنا من كتابه هنا، هو ما حكاه بخصوص العربية ونشأتها وادعائه أن العربية والعرب اشتق اسمها من اسم يعرب.
حيث أخذ الصحاري في كتابه الأنساب، بقول من يقول: بأن يعرب، ابنٌ لقحطان،
لقد كان ما ذكره في كتابه الأنساب عن العربية ونشأتها، كومة من التناقضات، التي لا يمكن الجمع بينها بأي حال من الأحوال، وهذا سبيل من يلتقط من التاريخ ما يهواه، دون تحقيق، تدفعه لذلك انتماءاته القومية أو الحزبية.
يقول الصحاري في كتابه الأنساب ما نصّه:
"وبدأت في الأنساب بذكر معد بن عدنان، وقدمته على يَعْربُ بن قَحْطَان إذ كان منهم خَاتَمُ النَّبَيَّين وإمام المرسلين، وسيد الأولين والآخرين محمد نبينا صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين وعترته المنتجبين. وإن كان بعضُ أهل النَّسَب قد قدَّموا يَعْرُب بن قَحْطَان على نَسَبِ مَعَدّ بن عَدْنَان وسائر إخوته من ولد إبراهيم عليه السلام، واحتج في ذلك بأن يَعْرُب بن قحطان أوّل من تكلم بالعربية حين تَبَلْبَلَت الأَلْسُن بِبَابل، وقد كان اللسان العربيّ من قبل ذلك في ولد إرم بن سام دون ولد أرْفَخْشَذ بن سام، فإنهم كانوا يتكلمون بالسُّرْيَانيُّة إلى زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم تعلمها إسماعيل عليه السلام من جُرْهُم بن قَحْطان، وهم يومئذ بمكة، ولم يزل اللسان العربيْ في ولد إرم بن سام بن نوح إلى زمن هودٍ عليه السلام، وقوم عاد، وثمود بن عابر، وقحطان بن هود إلى زمن يَعْرُب بن قحطان، وتبَلْبَلت الألسن بِبَابل حِين جَمَعهم نُمْرُود بن كنعان بن ماش بن إرم بن سام بن نوح، وهو صاحب إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، وهو الذي بنى الصَّرْحَ ببابل وملك خمسمائة سنة، وفي زمانه فَرَّق الله الألسنَة، وذلك أنه دعا الناس إلى عبادة الأوثان. وقد كانوا على الإسلام - فجمعهم ببِابل ودعاهم، ففعلوا وأجابوه، فأمسوا وكلامهم السُّرْيانّية، ثم أصبحوا وقد بَلْبَل الله ألسِنَتَهم، فجعل لا يَعْرفُ بعضهُم كلامَ بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا ولبني حام ثمانية عشر لسانا ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا، وفَهَّمَ الله يَعْرب بن قحطان العربيَّة، وهو أوّل من نَطَق بها، وفهمها الناس، وأول من فهمها من بعدهم جُرْهُم بن قَحْطان، وكانت جُرْهم والعَمَاليق وطَسْم وجَدِيس يتكلَّمون بهذا اللسان العربي ويعرب بن قحطان أول من تكلَّم بالعربية، وإلى اسمه نُسِبَ اللسان العربي وسمى عربيا إذ نسب إلى يَعْرُب بن قحطان. والدليل على أن أصل اللَّسان العربي اليَمَن دونَ غيرهم لأنهم يقال لهم العَرَب العَارَبَةِ، ويقال لغيرهم المُعَرَّبَة، يَزادُ الداخلة في العرب المتعلمة منهم، وكذلك معنى التَّفَعُّل في اللغة، يقال تَنَزَّرَ الرجل إذا دخل في نزار، وتمَضَّر إذا دخل في مُصرّ، وتَقَّيس إذا دخل في قَيْس". اه
قلت: وهذا قول يهدم بعضه بعضا، فإنه:
أولا: زعم أن قحطان ابن نبي الله هود عليه السلام، وهود عليه السلام أخو عاد، أي: أخوهم في النسب، وابن أبيهم، ولكنه كغيره، نسب هود إلى عابر، فأهرج هود من قومه عاد، وجعله ابن عابر، وهذا نسب لم يرد في كتب اليهود، إذ المعروف في كتب اليهود أن قحطان بن عابر، بدون واسطة، لا هود ولا غيره، ومن المعلوم ان نسابة اليهود لا شك أنهم إما نقلوا نسب قحطان من رواة قحطان المتقدمين، اثناء تدوين رواة اليهود لتاريخ اليهود -الذي يدعونه اليوم التوراة- أو أنهم اختلقوا نسب قحطان إلى عابر اختلاقا. وفي كلتا الحالتين، لا وجود لهود في نسب قحطان.
وثانيا: مع أنه نسب قحطان إلى هود، إلا أنه زعم أن يعرب هو أول من تكلم بالعربية! فكيف يكون هذا، وجدّه والد أبيه -حسب زعم الصحاري- هو هود النبي العربي؟! أفسبق جده في تعلم العربية، أم ماذا؟!
وثالثا: انه زعم أن يعرب كان يقيم في بابل، وأنه اول من تبلبل لسانه بالعربية، من ولد نوح!
ورابعا: أنه زعم أن أوّل من فهم العربيَّة وتكلَّم بها، هو جرهم بن قحطان، مع أن جرهم بن قحطان، وقحطان -حسب زعم الصحاري- بن لانب يهود، والنبي هود كان عربيّ اللسان، فهل تكلَّم يعرب وأخوه -المزعوم- جرهم، بالعربيَّة قبل جدّهما هود؟! ثم إن نسبة جرهم إلى قحطان، لا تثبت، بل هي من ادعاءات اليمن، ليدَّعوا بذلك أن إسماعيل إنما تعلّم العربيَّة منهم، فمن لم يكن من حمير، يقول: جرهم بن قحطان، وأما حمير فيقولون: جرهم بن حمير، ليختصّوا بهذا الشرف دون سائر قحطان!! وكل هذا تخريف وتهريج، فقد أثبتّ في كتابي: صحيح تاريخ الإسلام، أن العربيَّة هي لغة إبراهيم وقومه، وهي لغة الشعوب القاطنة في الهلال الخصيب وجزيرة العرب في ذلك الزمان، وأنهم توارثوها كابراً عن كابر، عن أبيهم نوح عليه السلام، ولكن ما روي عن ابن عباس في أن إسماعيل تعلم العربيَّة من جرهم، يمكن تأويله، بأنه أراد أنه نشأ فيهم منذ كان رضيعاً، فلولاهم لما تعلَّم العربيَّة، ثم جرهم مجهولة النسب، مجهولة الحسب، شعب من بين الشعوب التي كانت تقطن في جزيرة العرب، ولا يمتلك اليمانيون دليلاً واحداً على انتساب جرهم هؤلاء إليهم، وإنما كما قلت سابقاً، ادعو جرهم، ليقولوا بأن لهم الفضل في تعلّم إسماعيل العربيَّة، وبالتالي يدّعون بانهم سبقوا بني عدنان في التكلُّم بالعربيّة، فيكون لهم شَرَف السبق إلى ذلك على عدنان.
العجيب أنه أقر بأن اللسان العربي كان في ولد إرم بن سام، وعنهم انتقل إلى هود، ومن هود انتقل إلى يعرب، فكيف يدعي بعد هذا، ان يعرب هو اول من تكلم العربية، وان الله تعالى هو من فهمها إياه بلا واسطة!
إن هذا الرجل -الصحاري- لا يدري ما يقول!!
وخامسا: من أعاجيب الصحاري، هو قوله: "والدليل على أن أصل اللَّسان العربي اليَمَن دونَ غيرهم لأنهم يقال لهم العَرَب العَارَبَةِ" فاستدل على أسبقية تعلم اليمن للعربيَّة، بما تناقله اليمانيون بينهم، من أنهم العرب العاربة! فمن سلم لهم بذلك، حتى يحتج به على ولد عدنان؟! ادعاء الصحاري أو غيره، من أن اليمن هم العرب العاربة، يحتاج إلى دليل، فكيف يحتج بأمر، هو محتاج ومفتقر للدليل لإثباته؟!
وسادسا: قال: "ويقال لغيرهم -أي: غير اليمن- المُعَرَّبَة" قلت: وهذه تسمية جديدة، أطلقها من تلقاء نفسه، بديلاً عن "المستعربة" التي دأب الحمقى على استخدامه في الإشارة إلى ولد إسماعيل عليه السلام.
وسابعا: أنه زعم أن الذي جمع الناس في بابل هو النمرود صاحب نبي الله إبراهيم عليه السلام، وأن يعرب كان ممن أدركه. وهذا باطل، لأن رواية سكنى نوح وقومه في بابل، رواية يهودية، وما هو موجود في تواريخ المسلمين، عن انتقال نوح وقومه إلى بابل، وتبلبل الألسنة المزعوم، منقول من كتب يهود، وهم يزعمون أن الذي بنا بابل هو نوح نفسه وقومه، وأنهم انتقلوا إليها بعد أن استوت سفينتهم فوق جبل أرادات، وقد رددت على ذلك بالتفصيل في كتابي: صحيح تاريخ الإسلام.
وثامنا: انه لم يذكر أحد من المؤرخين، ان النمرود هو من جمع الناس في بابل، فمن اين اتى الصحاري بهذا القول؟!
وتاسعا: تكلمنا عن شخص يعرب، وبيّنت أنه لا يصح القول بأنه بن قحطان.
وعاشرا: انه وحسب قول الكلبي، وعنه اخذ الصحاري وغيره، أن يعرب لقب، وان اسم يعرب هو: المرعف، فبما أن يعرب لقب، فالصواب ان يقال: بأن المرعف، لُقِّب بيعرب، لأنه اول من تكلم بالعربية، بدل أن يقول: بأن اسم العرب واسم العربية مشتق من اسمه!!
والحادي عشر: وضع الصحاري نسبا لنمرود، فقال: نمرود بن كنعان بن ماش بن إرم بن سام، وهذا من أكاذيب القصاص، فنمرود لم يعرف إلا من كتب يهود، وهو عندهم: نمرود من ولد كوش بن حام، وهو من اعقاب كوش، وليس ولده الأدنى.
والثاني عشر: وقوله: "وقد بلبل الله السنتهم فجعل بعضهم لا يعرف كلام بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا، ولبني حام ثمانية عشر لسانا، ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا". اه
قلت: وهذا لا دليل عليه، ولم يسبقه عليه أحد، ويظهر أنه خمن لكل ولد من أولاد نوح الثلاثة الشعوب التي تنتسب إليهم، وهذا مجرد تخمين، ثم حسب ألسنتهم بناء على ذلك.