اختلاط أنساب العرب

 اختلطت قبائل العرب، عدنان وقحطان وحِميَر وقضاعة، وامتزجت بطريقة يجعل البحث عن أصولها ضربٌ من العبث، بل ازداد الأمر باختلاط كثير من الطوائف التي لا تنتمي إلى هذه الشعوب الأربع بها، سواء من السُودان أو الهند أو السند أو الترك أو الكرد أو الفرس أو غيرها من الشعوب. التي تعرَّبت، ولم تكون كيانات قبلية مستقلة، بل امتزجت بقبائل ذات أصول عدنانية أو قحطانية أو حميرية أو قضاعية، وذابت فيها، وهذا يكثر في القبائل التي تعيش في المناطق الساحلية،  ومع أن هذه الشعوب، لا تشكل نسبة كبيرة، ٱلا أن وجودهم كان سببا أخر، في فساد علم أصول الأنساب. وأنا أقول ذلك عن تجربة، ودراسة لأنساب العرب المدونة في بطون الكتب، أو التي تلقيتها عن الرواة، حتى أنك لا تجد قبيلة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهم يذكرون أنه قد دخل فيهم وانظم إليهم من ليس من لُحمتهم، إلى درجة أن هذه التحالفات، قد طالت الفصائل الصغيرة، وبعضها أو كثير منها لم يعد تعرف اصولها الحقيقية، بل لا يدرى هل اصولها تنتمي إلى الشعوب الاربع المذكورة، او إلى شعوب أخرى، ولكنها باتت بيوتات وفصائل وافخاذ وبطون عربية، وتنتمي إلى قبائل عربية، وتثقفت بالثقافة العربية، إنني على طول البحث في هذا الموضوع، تبين لي أمر هام جدا: وهو أن علم الأنساب الذي يبحث عن الأصول البعيدة للأفراد والجماعات، أشبه ما يكون بالسراب، الذي يظنه الرائي ماء، حتى إذا جاءه صار أبعد منه يوم رءاه أوّل مرّة، فلا يصل فيه الباحث إلى شيء البتّة، لأن الشكوك اصبحت تطال كل أصل وفرع. وهذا أمر معروف منذ القدم، حتى في العرب المتقدمين، حتى قال أهل اليمن: والله لكانما تراني رجلا من أحاضة. يضربون بهم المثل في التباعد بالأنساب. ويقول الهمداني في صفة حزيرة العرب عن بني سواءة بن عامر بن صعصعة: "وهم خليطي والدعوة عامرية" اي انهم من قبائل شتى، ولكنهم ينتسبون إلى عامر بن صعصعة، انتساب دعوة ونصرة. هذا في زمن كان العرب شديدوا الاهتمام بانسابهم، فكيف بعد ان جاء الإسلام، واضعف بشدة اهتمام العرب بأنسابهم!

لذلك فعلم الأنساب، أصول وفروع.

فعلم الأصول: هو العلم الذي يبحث عن الأصول البعيدة للأفراد والجماعات، وإلحاقها بأسلافها القدماء، وهذا علم يغلب عليه الظن، وهو العلم الذي لا ينفع والجهالة التي لا تضر.

وعلم الفروع: وهو العلم الذي يبحث عن الأصول القريبة، كالعصبة والأرحام، وهذا علم ينفع وجالة تضر، لأنه تقوم عليه أحكام شرعية، من المواريث وعاقلة الدية وصلة الأرحام.

لذلك يكفي في أن تكون عربيا أن تتحدث باللسان العربي.

ويكفي في أن تكون ابن قبيلة عربية، أن تنتمي إلى قبيلة عربية، سواء كانت هذه القبيلة العربية، تنتمي نسبا إلى إحدى الشعوب الأربع المذكورة، أم إلى غيرها من الشعوب، وسواء كان انتمائك لهذه القبيلة، انتماء نسب أو انتماء حلف ونصرة.

ويكفي أن تتعرف من القبائل الأخرى، على أسمائها الكبار، ومن قبيلتك التي تنتمي إليها، على بطونها الكبار، ولا على البطن الذي تنتمي إليه إلا على أفخاذه الرئيسية، ولا تهتم بمعرفة تفاصيل الأفخاذ، سوى فخذك الذي تنتسب إليه.

وهذا لأجل التعارف بين الناس، وهو السبب الذي من أجله جعل الله تعالى الناس شعوبا وقبائل.

واما إن كنت من الحاضرة، الذين لا ينتمون إلى قبيلة من القبائل، فيكفي أن تعرف أهل البيت الذي تنتمي إليه، لأنه كما أسلفت تقوم عليه أحكام شرعية.

هكذا كان العرب يفعلون.

هود عليه السلام ليس أباً لليمن

ادّعى بعض نسّابة اليمن، أنهم من ولد هود عليه السلام، وقالوا: هو قحطان بن هود!

وهذه دعواً يشهد كل حرف منها على بطلانها، فقد قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) 

فقوله: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) أي: لم يعد لهم بقيّة، ولم يستثني.

فكيف يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) وهو يرى أعقاب هود العادي، تملأ سهول الجزيرة العربيَّة وجبالها؟!

والحقيقة، أن قبيلة عاد، مسلمهم وكافرهم، لحقوا بالقبائل البائدة، ولا شك أن المسلمين من عاد، بقو بعد هلاك كفار عاد زمناً، ولكنهم تلاشوا مع مرّ الأزمان، حتى لم يبقى منهم أحد، ولذلك قال الله تعالى لنبيه: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).

وقد ذكرت سابقاً، أن اليمن، في الجاهليّة وصدر الإسلام، كانوا ينتسبون إلى إسماعيل، حتى ظهرت فيهم كتب اليهود.

قال الوزير المغربي، في كتابه الإيناس بعلم الأنساب: "وسئل وَهْب بن مُنبِّه عن اليمانية وهل أبوهم هود؟ فقال: لا ولكن وقعت الفتن بين العرب، وفخرت مُضر بأبيها إسماعيل، فادعت اليمن هوداً ليكون لهم أب من الأنبياء" اهـ

قلت: وقد روى الحاكم النيسابوري هذا الخبر عن وهب بزياداتٍ منكرة، باطلة. 

والذي يظهر لي: أنه لما أظهر ابن يوسف ما أظهر من نفي نسب اليمن عن إسماعيل عليه السلام، أخذ سفهاء العدنانيَّة يطعنون في نسب اليمن، ويفخرون عليهم بأنهم من ولد إسماعيل دونهم، فأخذت الحميَّة عرب اليمن، فادعوا هوداً، كون بعض الروايات تقول بان هوداً كان باليمن -وهذه رواية مرجوحة- ليفاخروا العدنانيَّة به.

والله أعلم وأحكم.

تنبيه

كنت قد كتبت بحثاً مختصراً حول انتساب قحطان إلى نبي الله هود عليه السلام، بعنوان: نبي الله هود ليس أباً لقبائل اليمن، على منصة كلاود، بتاريخ 19 يونيو 2020م. ثم نشرته بعد عدة أيّام في مدونتي الخاصَّة بعنوان: هل قحطان بن نبي الله هود عليه السلام؟ وذلك قبل أن أعيد تأهيل القناة، وأعيد نشر المنشور بتاريخ متأخر عن تاريخ نشره الحقيقي، حيث أعدت نشره بتاريخ 10 نوفمبر 2022م، حيث تفاجئت وأنا أتصفح النت، ولم أكتشف ذلك حقيقة سوى اليوم، أن أحد الحسابات على الفيسبوك، قامت بنسخ منشوري الذي نشرته على مدونتي، حرفيّاً ونشره على صفحته الشخصية، بتاريخ 19 أغسطس 2020م، أي بعد قرابة شهر من نشري له على منصة كلاود، دون الإحالة إلى المصدر الذي قام بنقل الموضوع منه.

وأنا لا أهتم حقيقة بهذا الأمر، ولكن كان الأحرى أن يبيِّن أنه ناقلٌ للمنشور، وليس هو صاحبه، وأيضاً حتى لا يوقعني في الحرج، لان من سوف يبحث ويجد هذا المنشور، سوف يظن انني قد اختلسته منه، والحقيقة يا إخوة، أن جميع منشوراتي وبحوثي، أنا أبو عُذرتها، نعم أنا أستفيد من بحوث غيري، وأضيف عليها من اكتشافاتي، لأصدر منها بحثاً يستفيد منه غيري، وهذا سبيل أكثر الباحثين، ولكني لا أنسخ المنشورات حرفيا وأنشرها باسمي.

ولهذا جرى التنبيه، والله وليّ التوفيق.

المنشور على منصّة كلاود:

https://makalcloud.com/post/vmdys12gz

المنشور على مدونتي الخاصّة:

https://9slamcom7.blogspot.com/2022/11/blog-post_12.html

منشور الأخ الذي قام فيه بنسخ منشوري:

https://2u.pw/sYdoMlVD