تحقيق نسب قضاعة

 احتج القائلون بأن قضاعة من عدنان، بما أورده الزبيري في كتابه (نسب قريش) بأن قضاعة بن معد، وادعى أن شعراء قضاعة في الجاهلية والإسلام ينتسبون في أشعارهم إلى معد، وأورد على ذلك أبياتا لجميل بن معمر العذري، وزيادة بن زيد العذري ينتسبان فيها إلى معد.


فأما أعراب قضاعة، في صدر الإسلام، فكانوا ينتسبون إلى اليمن، كما رواه لغدة عن اعراب بني عصيمة، وقول الأعراب أوثق، لأنهم إنما يأخذون أنسابهم بالتوارث.

واحتجوا أيضا بكتاب افتراق ولد معد، والذي زعموا أنه من تأليف الكلبي، حيث ورد فيه ان قضاعة بن معد، بل ورد فيه كيف ارتحلت قضاعة من تهامة، وتفرقوا في البلاد، كتأكيد على نسب قضاعة في معد، وقد حوى هذا الكتاب قصصا شعبية، هي على الأرجح من وضع القصّاص.

وهذا الكتاب يظهر أنه ليس من تأليف الكلبي، وإنما لُفِّق عليه تلفيقا، لأن الكلبي في كتابه النسب، نصّ على أن قضاعة من حمير، ولم يذكر خلافا في نسبهم، وإنما ذكر أن نزاراً كان أخا قضاعة لأمه، ولم يزد على ذلك، فتبين بذلك أن كتاب افتراق معد، ليس من تأليف الكلبي، وأن ما حواه من قصص موضوع.

وهذا دليل أخر على أن قضاعة من اليمن.

فهذا شيخ النسّابين، ورجل من قضاعة، أثبت نسب قضاعة في اليمن، وهذا ما يتوافق مع ما ذُكر عن أعراب بني عصيمة.

فتبيّن بذلك، أن الراجح في نسب قضاعة أنهم من اليمن.

والله أعلم وأحكم.

الرد على الصحاري في نسبته العربيَّة إلى يعرب

كتاب الأنساب للصحاري، هو مجمع للأساطير والخرافات التي ألفها قصَّاص اليمن.

والذي يهمنا من كتابه هنا، هو ما حكاه بخصوص العربية ونشأتها وادعائه أن العربية والعرب اشتق اسمها من اسم يعرب.

حيث أخذ الصحاري في كتابه الأنساب، بقول من يقول: بأن يعرب، ابنٌ لقحطان، 

لقد كان ما ذكره في كتابه الأنساب عن العربية ونشأتها، كومة من التناقضات، التي لا يمكن الجمع بينها بأي حال من الأحوال، وهذا سبيل من يلتقط من التاريخ ما يهواه، دون تحقيق، تدفعه لذلك انتماءاته القومية أو الحزبية.

يقول الصحاري في كتابه الأنساب ما نصّه:

"وبدأت في الأنساب بذكر معد بن عدنان، وقدمته على يَعْربُ بن قَحْطَان إذ كان منهم خَاتَمُ النَّبَيَّين وإمام المرسلين، وسيد الأولين والآخرين محمد نبينا صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين وعترته المنتجبين. وإن كان بعضُ أهل النَّسَب قد قدَّموا يَعْرُب بن قَحْطَان على نَسَبِ مَعَدّ بن عَدْنَان وسائر إخوته من ولد إبراهيم عليه السلام، واحتج في ذلك بأن يَعْرُب بن قحطان أوّل من تكلم بالعربية حين تَبَلْبَلَت الأَلْسُن بِبَابل، وقد كان اللسان العربيّ من قبل ذلك في ولد إرم بن سام دون ولد أرْفَخْشَذ بن سام، فإنهم كانوا يتكلمون بالسُّرْيَانيُّة إلى زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم تعلمها إسماعيل عليه السلام من جُرْهُم بن قَحْطان، وهم يومئذ بمكة، ولم يزل اللسان العربيْ في ولد إرم بن سام بن نوح إلى زمن هودٍ عليه السلام، وقوم عاد، وثمود بن عابر، وقحطان بن هود إلى زمن يَعْرُب بن قحطان، وتبَلْبَلت الألسن بِبَابل حِين جَمَعهم نُمْرُود بن كنعان بن ماش بن إرم بن سام بن نوح، وهو صاحب إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، وهو الذي بنى الصَّرْحَ ببابل وملك خمسمائة سنة، وفي زمانه فَرَّق الله الألسنَة، وذلك أنه دعا الناس إلى عبادة الأوثان. وقد كانوا على الإسلام - فجمعهم ببِابل ودعاهم، ففعلوا وأجابوه، فأمسوا وكلامهم السُّرْيانّية، ثم أصبحوا وقد بَلْبَل الله ألسِنَتَهم، فجعل لا يَعْرفُ بعضهُم كلامَ بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا ولبني حام ثمانية عشر لسانا ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا، وفَهَّمَ الله يَعْرب بن قحطان العربيَّة، وهو أوّل من نَطَق بها، وفهمها الناس، وأول من فهمها من بعدهم جُرْهُم بن قَحْطان، وكانت جُرْهم والعَمَاليق وطَسْم وجَدِيس يتكلَّمون بهذا اللسان العربي ويعرب بن قحطان أول من تكلَّم بالعربية، وإلى اسمه نُسِبَ اللسان العربي وسمى عربيا إذ نسب إلى يَعْرُب بن قحطان. والدليل على أن أصل اللَّسان العربي اليَمَن دونَ غيرهم لأنهم يقال لهم العَرَب العَارَبَةِ، ويقال لغيرهم المُعَرَّبَة، يَزادُ الداخلة في العرب المتعلمة منهم، وكذلك معنى التَّفَعُّل في اللغة، يقال تَنَزَّرَ الرجل إذا دخل في نزار، وتمَضَّر إذا دخل في مُصرّ، وتَقَّيس إذا دخل في قَيْس". اه

قلت: وهذا قول يهدم بعضه بعضا، فإنه: 

أولا: زعم أن قحطان ابن نبي الله هود عليه السلام، وهود عليه السلام أخو عاد، أي: أخوهم في النسب، وابن أبيهم، ولكنه كغيره، نسب هود إلى عابر، فأهرج هود من قومه عاد، وجعله ابن عابر، وهذا نسب لم يرد في كتب اليهود، إذ المعروف في كتب اليهود أن قحطان بن عابر، بدون واسطة، لا هود ولا غيره، ومن المعلوم ان نسابة اليهود لا شك أنهم إما نقلوا نسب قحطان من رواة قحطان المتقدمين، اثناء تدوين رواة اليهود لتاريخ اليهود -الذي يدعونه اليوم التوراة- أو أنهم اختلقوا نسب قحطان إلى عابر اختلاقا. وفي كلتا الحالتين، لا وجود لهود في نسب قحطان. 

وثانيا: مع أنه نسب قحطان إلى هود، إلا أنه زعم أن يعرب هو أول من تكلم بالعربية! فكيف يكون هذا، وجدّه والد أبيه -حسب زعم الصحاري- هو هود النبي العربي؟! أفسبق جده في تعلم العربية، أم ماذا؟! 

وثالثا: انه زعم أن يعرب كان يقيم في بابل، وأنه اول من تبلبل لسانه بالعربية، من ولد نوح!

ورابعا: أنه زعم أن أوّل من فهم العربيَّة وتكلَّم بها، هو جرهم بن قحطان، مع أن جرهم بن قحطان، وقحطان -حسب زعم الصحاري- بن لانب يهود، والنبي هود كان عربيّ اللسان، فهل تكلَّم يعرب وأخوه -المزعوم- جرهم، بالعربيَّة قبل جدّهما هود؟! ثم إن نسبة جرهم إلى قحطان، لا تثبت، بل هي من ادعاءات اليمن، ليدَّعوا بذلك أن إسماعيل إنما تعلّم العربيَّة منهم، فمن لم يكن من حمير، يقول: جرهم بن قحطان، وأما حمير فيقولون: جرهم بن حمير، ليختصّوا بهذا الشرف دون سائر قحطان!! وكل هذا تخريف وتهريج، فقد أثبتّ في كتابي: صحيح تاريخ الإسلام، أن العربيَّة هي لغة إبراهيم وقومه، وهي لغة الشعوب القاطنة في الهلال الخصيب وجزيرة العرب في ذلك الزمان، وأنهم توارثوها كابراً عن كابر، عن أبيهم نوح عليه السلام، ولكن ما روي عن ابن عباس في أن إسماعيل تعلم العربيَّة من جرهم، يمكن تأويله، بأنه أراد أنه نشأ فيهم منذ كان رضيعاً، فلولاهم لما تعلَّم العربيَّة، ثم جرهم مجهولة النسب، مجهولة الحسب، شعب من بين الشعوب التي كانت تقطن في جزيرة العرب، ولا يمتلك اليمانيون دليلاً واحداً على انتساب جرهم هؤلاء إليهم، وإنما كما قلت سابقاً، ادعو جرهم، ليقولوا بأن لهم الفضل في تعلّم إسماعيل العربيَّة، وبالتالي يدّعون بانهم سبقوا بني عدنان في التكلُّم بالعربيّة، فيكون لهم شَرَف السبق إلى ذلك على عدنان.

العجيب أنه أقر بأن اللسان العربي كان في ولد إرم بن سام، وعنهم انتقل إلى هود، ومن هود انتقل إلى يعرب، فكيف يدعي بعد هذا، ان يعرب هو اول من تكلم العربية، وان الله تعالى هو من فهمها إياه بلا واسطة!

إن هذا الرجل -الصحاري- لا يدري ما يقول!!

وخامسا: من أعاجيب الصحاري، هو قوله: "والدليل على أن أصل اللَّسان العربي اليَمَن دونَ غيرهم لأنهم يقال لهم العَرَب العَارَبَةِ" فاستدل على أسبقية تعلم اليمن للعربيَّة، بما تناقله اليمانيون بينهم، من أنهم العرب العاربة! فمن سلم لهم بذلك، حتى يحتج به على ولد عدنان؟! ادعاء الصحاري أو غيره، من أن اليمن هم العرب العاربة، يحتاج إلى دليل، فكيف يحتج بأمر، هو محتاج ومفتقر للدليل لإثباته؟!

وسادسا: قال: "ويقال لغيرهم -أي: غير اليمن- المُعَرَّبَة" قلت: وهذه تسمية جديدة، أطلقها من تلقاء نفسه، بديلاً عن "المستعربة" التي دأب الحمقى على استخدامه في الإشارة إلى ولد إسماعيل عليه السلام.

وسابعا: أنه زعم أن الذي جمع الناس في بابل هو النمرود صاحب نبي الله إبراهيم عليه السلام، وأن يعرب كان ممن أدركه. وهذا باطل، لأن رواية سكنى نوح وقومه في بابل، رواية يهودية، وما هو موجود في تواريخ المسلمين، عن انتقال نوح وقومه إلى بابل، وتبلبل الألسنة المزعوم، منقول من كتب يهود، وهم يزعمون أن الذي بنا بابل هو نوح نفسه وقومه، وأنهم انتقلوا إليها بعد أن استوت سفينتهم فوق جبل أرادات، وقد رددت على ذلك بالتفصيل في كتابي: صحيح تاريخ الإسلام.

وثامنا: انه لم يذكر أحد من المؤرخين، ان النمرود هو من جمع الناس في بابل، فمن اين اتى الصحاري بهذا القول؟!

وتاسعا: تكلمنا عن شخص يعرب، وبيّنت أنه لا يصح القول بأنه بن قحطان.

وعاشرا: انه وحسب قول الكلبي، وعنه اخذ الصحاري وغيره، أن يعرب لقب، وان اسم يعرب هو: المرعف، فبما أن يعرب لقب، فالصواب ان يقال: بأن المرعف، لُقِّب بيعرب، لأنه اول من تكلم بالعربية، بدل أن يقول: بأن اسم العرب واسم العربية مشتق من اسمه!!

والحادي عشر: وضع الصحاري نسبا لنمرود، فقال: نمرود بن كنعان بن ماش بن إرم بن سام، وهذا من أكاذيب القصاص، فنمرود لم يعرف إلا من كتب يهود، وهو عندهم: نمرود من ولد كوش بن حام، وهو من اعقاب كوش، وليس ولده الأدنى.

والثاني عشر: وقوله: "وقد بلبل الله السنتهم فجعل بعضهم لا يعرف كلام بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا، ولبني حام ثمانية عشر لسانا، ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا". اه

قلت: وهذا لا دليل عليه، ولم يسبقه عليه أحد، ويظهر أنه خمن لكل ولد من أولاد نوح الثلاثة الشعوب التي تنتسب إليهم، وهذا مجرد تخمين، ثم حسب ألسنتهم بناء على ذلك.

وهم رواة اليهود في اسم قحطان

ورد اسم يقطان في كتب اليهود، بدلاً من قحطان، وهو وهمُ ولا شكّ في ذلك، ويبدو لي والله أعلم، أنه لما كان اللسان العبري ثقيلاً في نطق الأحرف، ابدلوا قحطان بيقطان، ظناً منهم أن هذا هو اللفظ الصحيح، فلم يحسنوا نطق قحطان، وظنوا أن رواة اليمن يعنون يقطان، فدونوه في كتبهم على هذا النحو.

ويقطان، في العبريَّة الأعجميَّة -وأقول الاعجميَّة للتمييز بينها وبين العبريَّة العربيَّة القديمة- تعني: الصغير. 

ولكن هذا المعنى تحرَّف عند الكلبي، فقال: بأن معنى يقطان، أي: الجَبَّار! ولست أتهم الكلبي رحمه الله بالكذب في ذلك، فقد يكون هو نفسه مكذوبٌ عليه، من قِبل بعض المتعصبة من أبناء اليمن، فأراد أن يُحرِّف المعنى، الذي يراه هو من قِبَلِه، معناً لا يليق بمقام قحطان، أبو العرب القحطانية، ومنح هذا الاسم معناً جديداً من عنده، يتناسب مع مقامه. 

هذه الحالة، وغيره الكثير من الحالات، تعطينا فِكرة كافية عن مدى مصداقيَّة الرواة، فيما ينقلونه من تاريخ أو أنساب، ويدفعنا إلى الحذر عند النقل منهم وعنهم.

من غرائب رواة العرب، أنهم يحاولون الجمع بين ما لا يمكن الجمع بينه!

فقد وجدت الزبير بن بكار، يدعي أن يقطان، هو ترجمة لاسم قحطان في العربية، من السريانية، وأنه في العبرانية: يقطن!

رواه ابن عبدالبر في الإنباه على قبائل الرواة.

وهذا قول باطل، من وجهين:

الأول: يقطان هو الاسم الذي ورد في العبرانية، وأما في السريانيّة، فلا أدري من أين جاء به الزبير! والذي يظهر، أنه أخذه عن بعض الوضّاعين.

والثاني: أن يقطان كما قدمت في العبرية الأعجمية، تعني: الصغير. بينما قحطان، بعيد كل البعد عن هذا المعنى.

فقحطان، مشتق من قحط، ومعناه: أجدب، وجفّ، ويَبُس. والألف والنون للمبالغة، فأين هذا من معنى يقطان!

يعرب ويشجب بين الحقيقة والوهم

يعرب و يشجب، شخصيتان مترابطتان في كتب التاريخ والنسب، ولكن المحيِّر هو تخبًط النسابين في شأنهما: 

فمنهم من يجعل يعرب ابناً ليشجب، ويجعلهما سلفاً لعدنان.

قال ابن إسحاق في السيرة، ما نصه:

"فولد نابت بن إسماعيل: يشجب بن نابت، فولد يشجب: يعرب بن يشجب، فولد يعرب، تيرح بن يعرب، فولد تيرح: ناحور بن تيرح، فولد ناحور: مقوم بن ناحور، فولد مقوم: أدد بن مقوم، فولد أدد: عدنان بن أدد".

ولكن رويت سلاسل نسب أخرى لعدنان، خالية من يعرب بن يشجب، وكلها روايات شفويَّة، والروايات الشفويَّة معرضة للزيادة والنقص، والوهم والنسيان، لذلك لا يمكن الوثوق بها، أو التعويل عليها، أو الأخذ بها، إلا في حالة عدم وجود ما يعارضها من الأقوال الأخرى، أو النصوص المحررة الموثّقة.

ومنهم من يجعل يشجب ابناً ليعرب، ويجعلهما سلفاً لسبأ.

قال هشام بن محمد الكلبي في جمهرة النسب، ما مختصره:

"ولد قحطان .. : المرعف، وهو يعرب .. فولد يعرب بن قحطان: يشجب .. فولد يشجب بن يعرب: سبأ .. " اه

ولكن من المعلوم، أن أقدم نسب محرر لسبأ، هو الذي ورد في تاريخ اليهود، وليس فيه أيّ ذكر ليشجب بن يعرب، فإذا قلنا بأن رواة اليهود، أثناء تدوين تاريخهم -الذي يسمونه اليوم التوراة- نقلوا نسب سبأ من رواة سبأ، فهذا يعني أن رواة سبأ في تلك الحقبة لا يعرفون يشجب ولا يعرب!

فالذي تبيّن لي، أن يشجب ويعرب شخصيّتان أقحمتا في الأنساب إقحاماً، بينما في الحقيقة، لا علاقة لهما بأنساب عدنان أو قحطان.

ربما يكون يشجب ويعرب شخصيتان عربيتان بارزتان، كان لهما دور بارز في التاريخ العربي القديم، وجهل الرواة سيرتهما وأعمالهما، اللتي قامت بإبرازهما، وهنا اختلق الرواة أن سبب شهرتهما هو كونهما أبوان لعدنان أو قحطان.

وقد لا يكون هناك أي رابط نسبي أو تاريخي بين يشجب ويعرب، ولكن الرواة عندهم القدرة على اختراع علاقة نسبية أو تاريخية بين الشخصيّات التاريخية.

ولكن هذه القدرات تصبح تنافسية أحياناً مما يُحدث تناقضاً في الروايات بين الرواة.

وعلى أقل الأحوال، فحتى لو كان يشجب ويعرب أحدهما ابنا للأخر، وأنهما سلف لأي من عدنان أو قحطان، فإن الأمر أصبح شبهة، وغير قابل للترجيح، فهنا لا يمكن أن نضيف أي منهما إلى نسب عدنان أو قحطان.

لذلك أقول: أن النسابة أجمعوا على أن عدنان بن أد -وأحياناً يقولون: أدد، ثم جاء من الرواة من أراد أن يريح الطرفين المتنازعين فقال: أد بن أدد- فيجب الاقتصار على هذا القدر، دون الحاجة إلى اختلاق أنسابٍ لا وجود لها سوى في مخيّلات الرواة. وأجمعوا على أن سبأ بن قحطان، فيجب الاقتصار في نسب سبأ على هذا القدر، دون الحاجة إلى إضافة أسماء لا وجود لها إلا في مخيّلات الرواة.

فساد تقسيم العرب إلى ثلاث طبقات

دأب بعض المؤرخين واللغويين إلى تقسيم العرب إلى ثلاث طبقات، بناء على أسبقيتهم لتعلُّم اللغة العربية، لكنهم اختلفوا في هذا التقسيم على قولين:

القول الأول: 

أن العرب ثلاث طبقات، هم: العاربة، والمتعرِّبَة، والمستعربة!

فالعاربة هم البائدة، والمتعرِّبَة هم اليمن، لأنهم تعلّموا العربيَّة بعد العرب البائدة، والمستعربة هم عدنان، كونهم تعلموا العربيَّة، بعد اليمن!

والقول الثاني:

أن العرب ثلاث طبقات، هم: البائدة، والعاربة، والمستعربة.

فالبائدة، هي الأمم العربية التي هلكت في الزمن الأول، والعاربة هم اليمن، والمستعربة هم عدنان!

قلت: وهذه التقسيمات باطلة، لُغَة وتاريخاً.

فمن جهة اللُغة، لا يوجد شيء اسمه: عارب ومتعرّب، هذه من أكاذيب اللغويّين، واختلاقاتهم. كما أن المستعرب، هو الأعجمي الذي لم تكن العربيَّة لغته، ثم تعلَّم العربيَّة، إضافة إلى لغته. ويستحيل في اللُغة، أن يوصف عربيّ اللغة، الذي لا لغة له سوى العربيَّة بالمستعرب.

ومن جهة أخرى، أن العربيَّة على الراجح، ومن خلال أسماء الأنبياء، وما ورد من اشتقاقاتها في كتب اليهود، وفي كتب اللغة العربية، هي لغة آدم، واحتفظ بها نوح وقومه، ثم احتفظ بها بنو نوح الذين انتقلوا إلى الهِلال الخصيب وجزيرة العرب، وهي لغة إبراهيم عليه السلام وقومه، فليس هناك أحدُ تقدَّم على أحد في تعلُّم اللغة العربيَّة. (ناقشت هذه المسألة في كتابي: صحيح تاريخ الإسلام. ورددت على استدلالات من زعم أن إبراهيم وقومه لم يكونوا عرباً، هناك، فليراجع).

ومن جهة ثالثة، فإن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش من ولد إسماعيل عليه السلام، وهم أفصح العرب وأبلغهم، فكيف يكون شعبهم، الذي إليه ينتسبون، وبه يعتزّون، هم المُستعرِبُون؟! هذا والله أمرٌ لا يكون!

لذلك فهذه التقسيمات، تقسيمات خاطئة، لُغة وتاريخاً،و ما جرّ من قام بتقسيم العرب هذا التقسيم، إلا جهله باللُغة والتاريخ.

العربيَّة لغة وليست نسب

والعربية، لغة، وليست نسبا، فكل من تحدث باللغة العربية، فهو عربي، سواء انتسب إلى إحدى هذه الشعوب الأربع، أم لم ينتسب.

قال ابن إسحاق في السيرة:

"حدثني عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار في زمن معاوية غازيين، فمررنا بحمص -وكان وحشي بها- فقال ابن عدي : هل لك أن نسأل وحشيا كيف قتل حمزة. فخرجنا نريده، فسألنا عنه، فقيل لنا: إنكما ستجدانه بفناء داره على طنفسة له، وهو رجل قد غلب عليه الخمر ، فإن تجداه صاحيا، تجدا رجلا عربيا .. ". اه

والشاهد من هذا الخبر، هو قوله: "تجدا رجلا عربيّا". مع أن وحشي، أصله من الحبشة، ولكن لما كان وحشي من مُوَلّدِي مكة، وليس له لسان سوى العربية، وصفه بأنه عربي، ونسبه إلى العربية. فدل هذا على أن العربي، عند العرب، هو كل من تكلم باللسان العربي.

وأما المستعرب، فهو الأعجمي، الذي تعلّم العربيّة.

فلا يقال عمّن لا لسان له سوى العربية، بأنه مستعرب، وإن لم يكن نسبا ينتمي إلى أي الشعوب الأربع المذكورة.

شعوب العرب

والعرب أربعة شعوب: عدنان، وقحطان، وحِمْيَر، وقُضاعة.

فأما عدنان، فهم من ولد نبي الله إسماعيل عليه السلام، باتّفاق.

وأما قحطان، فاختُلِف في نسبهم على قولين: 

فقيل: هم من ولد إسماعيل عليه السلام، وهو القول الراجح. 

وقيل: بل هم من العرب القدماء، وأنهم بنو قحطان بن عابر. وهذا نسب مأخوذ من كتب اليهود، فيما نقله رواتهم القدماء، وهو القول المرجوح.

قال عبدالله بن وهب في جامعه: 

"وأخبرني ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، قال: جلدت الأنصار ابنا ليوسف بن عبد الله بن سلام الحد لأنه قال لأهل اليمن: إنكم لستم من ولد إسماعيل".

وأما حِميَر، فاختلف في نسبها على قولين:

فقيل: هم حمير بن سبأ بن قحطان، وهو القول الراجح.

وقيل: بل هم من العرب القدماء، دخلوا في ولد سبأ بن قحطان، وهذا قول مرجوح.

قال يحيى بن سلام في كتاب طبقات الشعراء، ما نصه: 

"وأخبرنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء، قال: العرب كلها ولد إسماعيل؛ إلا حمير وبقايا جرهم، وكذلك يروى أن إسماعيل ابن إبراهيم جاورهم وأصهر إليهم".

وأما قضاعة، فاختلف أيضا فينسبها على قولين:

فقيل: هم قضاعة بن مالك بن حمير، وهو القول الراجح.

قال لغدة الأصفهاني في كتابه: بلاد العرب، ما نصّه:

"ولبني نصر معاوية بالحجاز البَرَدَان، ولبني جُشم شيء قليل، لبطن منهم يقال لهم: عُصيمَة، يزعمون أنهم من اليمن، وهم ناقلة في بني جشم".

قلت: هذا نصٌّ صريح في أن قضاعة من اليمن، لأن عصيمة ينتسبون ٱلى قضاعة.

وقيل: هم قضاعة بن معدّ بن عدنان. وهو القول المرجوح.

مسمّى العرب

 العرب، اسم أطلقه العرب على أنفسهم، فكان العرب، إذا واجهوا قوما يتحدثون بلغتهم، قالوا: هؤلاء عرب. لأن لديهم القدرة على الإعراب -أي الإفصاح- عمّا في أنفسهم، أي: يتكلمون بلغتهم، وأصل كلمة عرب هي: أعارب. ولكنهم خفّفوها، فقالوا: عرب. 

والدليل على ذلك، أنهم يسمّون الشعوب التي لا تقدر  على التكلُّم بلغتهم: أعاجم، ثم خفّفوها، فقالوا: عجم. فالعجم ضد العرب. فدل على أن اسم العرب، إنما أطلقه العرب على أنفسهم، لكل من تحدث لغتهم.